Page 69 - AlNashra Year 2025 Issue 01
P. 69

‫لقــد أضحــت الشــهادة للمســيح المختومــة‬             ‫دم شــهداء يســوع" (رؤيــا ‪ ،)٦ :١٧‬التــي‬
‫بالــ ّدم البرهــان الملمــوس للإيمــان الحقيقــ ّي‬    ‫هــي رمــز الش ّريــر والأشرار الظالمــن‪ .‬مــع‬
‫بــه‪ ،‬لا بــل نمــوذج الإيمــان الأصفــى‪ .‬فقــد‬        ‫هــذه الآيــات مــن ســفر الرؤيــا‪ ،‬بالإضافــة‬
‫كانـت آلام الشـهداء تهـ ّذب نفـوس إخوتهـم‪،‬‬             ‫إلى أعــال الرســل ‪ ،٢٠ :٢٢‬انطلــق المعنــى‬
‫وتشـ ّدد عزيمتهـم على احتـال ك ّل الصعوبات‬             ‫التقنـ ّي الجديـد الـذي اكتسـبه الجـذر الثـاث ّي‬
‫التــي يتطلّبهــا اتِّبــاع المعلّــم‪ ،‬ســواء أكانــت‬  ‫" َشــ ِه َد" مــع مشــت ّقاته "شــهيد" و"شــهادة"‪،‬‬
‫روحيّـة أم جسـديّة‪ .‬لهـذا يُـ ّرح لنـا تلاميـذ‬         ‫وفي مـا بعـد دخـل كإر ٍث مسـيح ّي في جميـع‬
‫الق ّديـس بوليكاربـوس أسـقف سـميرنا‪ ،‬كاتبـو‬            ‫الثقافــات والحضــارت واللغــات والأديــان‪.‬‬
‫خـر استشـهاده‪ ،‬أنّهـم وثّقـوا الشـدائد التـي‬
‫تكبّدهـا "لـي يحتفلـوا بميلاد شـهادته تـذكا ًرا‬                            ‫التلمذة والشهادة‬
‫لأولئـك الذيـن جاهـدوا في الميـدان‪ ،‬ولتدريب‬            ‫في القـرون الأولى‪ ،‬كان الإيمـان بالـر ّب يسـوع‬
‫وتحضــر الذيــن سيســرون عــى خطــاه في‬                ‫كافيًـا كي يضـع المؤمـ َن أمام احتمال الاستشـهاد‬
‫المســتقبل" (استشــهاد بوليكاربــوس ‪.)٣ :١٨‬‬            ‫مـن أجلـه‪ .‬ومـع ذلـك لم يجزع شـهود المسـيح‬
‫فالشـهيد هـو ذاك المتألّـم مـن أجـل الحـ ّق‪،‬‬           ‫لا مـن الألم ولا مـن المنـون‪ .‬فقـد كان إيمانهـم‬
‫لا ذاك الـذي يـزرع الرعـب باسـم الباطـل‪.‬‬               ‫واسـتعدادهم للمـوت نابعني مـن قرارهـم‬
                                                       ‫الانتماء إلى المسـيح يسـوع بالمعموديّـة‪ .‬فالذي‬
‫وهكـذا‪ ،‬لم تعـد الشـهادة مجـ ّرد أداء لواجـب‬           ‫يلبـس المسـيح هـو مـن صلـب الجسـد مـع‬
‫الحقيقـة‪ ،‬بـل فعـ َل محبّـ ٍة قصـوى‪ ،‬يتج ّسـد‬          ‫الشـهوات والأهـواء (غلاطيـة ‪ ،)٢٤ :٥‬وهـو‬
‫في تقديـم الـذات قربانًـا مـن أجـل الإيمـان‪.‬‬           ‫الـذي يتألّـم معـه بالمـوت عـن الجسـدان ّيات‬
‫لقـد أعـادت المسـيحيّة‪ ،‬منـذ بـزوغ فجرهـا‪،‬‬             ‫الخاطئـة‪ ،‬كي يتم ّجـد معـه في الروحيّات الباقية‬
‫تعريـ َف الجـرأة ومح ّبـة الحـ ّق‪ ،‬فح ّولتهـا مـن‬      ‫(روميـة ‪ .)١٧ :٨‬أنـت لا تنتمـي إلى الـر ّب‬
‫لحظــة شــهادة للحقيقــة إلى أبديّــة الحيــاة‬         ‫يسـوع المسـيح القـ ّدوس إلا عبر خبرة مـوت؛‬
‫في الحــ ّق والنــور‪ ،‬ومــن حــد ٍث إنســان ّي إلى‬     ‫المـوت عـن الخطيئة قبل أ ّي شيء آخـر‪ ،‬ث ّم‪ ،‬إن‬
‫س ّر خــاص‪ .‬ومــن َعــ ْ َر هــذا التحــ ّول‪ ،‬صــار‬    ‫تطلّـب الأمر‪ ،‬المـوت قتل ًا من أجلـه‪ .‬فإن كانت‬
‫الشـهيد أيقونـ ًة ح ّيـ ًة للرجـاء‪ ،‬ونـدا ًء دائمًـا‬   ‫معموديّـة المـاء تُتحدنـا بالمسـيح‪ ،‬فكـم بالأولى‬
‫إلى ضمــر الإنســان ّية‪ ،‬يُذكّرهــا بــأ ّن الحيــاة‬   ‫معموديّـة الد ّمـاء‪ ،‬الشـهادة المختومـة بالـد ّم‬
‫لا تعـ ّز عـى َمـن يدافـع عـن الحـ ّق اقتـدا ًء‬        ‫التـي تُتحـد الشـهداء بـدم الخـروف الغالـب‬
‫بالمعلّـم‪ ،‬فالشـهادة تمنحهـا قب ًسـا مـن الأبديّة‬      ‫(رؤيـا ‪ ،)١١ :١٢‬فينتصرون‪ .‬في كلتـا الحالتني‬
                                                       ‫شـهادة‪ ،‬والتلمـذة للمسـيح لا تكـون إلا بهـا‪.‬‬
                           ‫لا يَخبـو‪.‬‬

                                                       ‫العدد ‪2025 - 1‬‬  ‫‪68‬‬
   64   65   66   67   68   69   70   71   72   73   74