تفسير القراءة الأولى في غروب عيد رقاد سيّدتنا…



يُقرأ في غروب عيد رقاد سيّدتنا والدة الإله ثلاث قراءات وضعتها الكنيسة لإرتباطها بهذا العيد وجوهره، وهي:

- القراءة الأولى من سفر التكوين (10:28).

- القراءة الثانية سفر حزقيال النبيّ (43-44).

- القراءة الثالثة من أمثال سليمان الحكيم (9)

تفسير القراءة الأولى: سفر التكوين (10:28)

10 فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب نحو حاران. 11 وصادف مكانًا وبات هناك لأن الشمس كانت قد غابت. وأخذ من حجارة المكان ووضعه تحت رأسه فاضطجع في ذلك المكان. 12 ورأى حلمًا وإذا j2 سلّمًا منتصبة على الأرض ورأسها يمس السماء. وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها. 13 وهوذا الرّب واقف عليها فقال أنا الرّب إله ابراهيم أبيك وإله اسحق. الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. 14 ويكون نسلك كتراب الأرض وتمّتد غربًا وشرقًا وشمالاً وجنوبًا. ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض. 15 وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب، وأردّك الى هذه الأرض، لأنّي لا أتركك حتى أفعل ما كلّمتك به. 16 فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقًا إن الرّب في هذا المكان وأنا لم أعلم. 17 وخاف وقال ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلاّ بيت الله وهذا باب السماء.

هذه الرؤيا كانت ليعقوب المحبوب من والدته، والذي هو في الوقت نفسه الهارب من وجه أخيه عيسو البكر الذي باع باكوريّته ب" طنجرة" عدس، أيّ تخلّى عن نعمة السماء مقابل حاجات ترابيّة فانيّة.

عيسو يمثّل حالتنا، كم من مرّةٍ نستبدل الذهب الخالص بالقش، وكم من مرّةٍ نهمل حياتنا الآبديّة مع الرّب مقابل ملذّات ترابيّة آنيّة. عيسو استخفّ بباكوريته فخسرها، تمامًا كما نحن نستخف بعطايا الله ونعمه. كان عيسو الأوّل وابن البيت، فأصبح بتراخيه الأخير وخارج الميراث.

هذه الحالة المتكرّرة منذ الأيّام الأولى للإنسانيّة، هابيل كان الثاني بعد قايّين، اسحق الثاني بعد اسماعيل، وكأنه بذلك يقول الرّب لنا: ليست معايّيركم هي الصحيحة، بل ما أراه أنا مناسبًا، من هنا نراه يشقلب المقايّيس والعروش. وهذا تمامًا ما قالته العذراء مريم في تسبحتها بعد بشارتها من الملاك جبرائيل:"شتت المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتضّعين (لوقا52:1)".

بالمقابل لم تكن حياة يعقوب كاملة امام خالقه، فهو أخذ باكوريّته بتدبير الحيلة بعد أن دبرّت والدته الأمر له،
عدا عن تصرّفات أخرى قام بها، وهنا بالتحديد تظهر جليًّا رحمة الله، فأمأم يعقوب جهد كبير يجب أن يقوم به ويتمّمه لينال حظوةً عند الله (تكوين 32)، وهذا أيضًا درس لنا، فالرّب يبقى أمينًا بوعده حتّى ولو نحن خالفنا وصاياه.

j3

إذًا في هذا النص الإنجيلي عبر عديدة لنا:

أولًا شخص يعقوب ومسيرته من التدبير الذاتي والاتكّال على الذكاء البشريّ وعمل الحيلة وحتى الكذب إلى الجهاد مع الله والتمسّك به. 

لنلاحظ كيف الله يعمل في صورِ قد تبدو معاكسة لنا:

1- يعقوب كان مشرّدًا ومحرومًا من دفء منزله الوالدي، وكان يسير وحيدًا في وسط بريّة موحشة، ولم يجد في العراء إلّا الحجر ليسند رأسه عليه، وفي وسط هذا الجحيم ترأى له الرّب ليقول له: حتى وأنت في وسط نعيم منزل أبيك لم تتمتّع بهكذا رؤيا.
هذه صورة لنا أن الله هو أبانا الحقيقي ولا يتركنا أبدًا مهما اشتدّت الظروف من حولنا.
2- يعقوب قدّم لوالده طعامًا كاذبًا لينال البركة من أبيه، بينما في المقابل الله يقدّم لنا نفسه طعامًا حقيقيًّا لنأخذ البركة الآبديّة الإلهيّة.
3- يعقوب لبس ثيابًا زائفة ليكون البكر ويحصل على النعمة، والرّب لبس لباسنا الترابي ليعطينا بجسده الحياة الآبديّة ونصبح  بالنعمة أولادًا له.

وكما احتالت رفقة والدة يعقوب لتعطيه البركة، كذلك فعلت بتشابع، امرأة الزنى ليملك سليمان، وهكذا دخل سليمان في سلالة الرّب يسوع المسيح.

عظيم هو إلهنا الذي طرقه عجيبة غريبة، وهو بتدبيره يتخطّى ضعفاتنا وينظر إلى عمق أعماق قلوبنا، أليس هو فاحص القلوب والكلى (مز9:7 – رؤيا 23:2)


ثانيًّا: السلّم المنتصبة إلى السماء.

j4 هذه الرؤيا تشير إلى من فتح السماوات ونزل منها، وأصبحت بالتالي السماء كلّها على الأرض. إنّها تشير إلى تجسّد المسيح، وهذا تمامًا ما قاله الرّب يسوع  لنتنائيل:" «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ.(يوحنا51:1)

أمّا السلّم فهي ترمز إلى والدة الإله الذي حملت في أحشائها من لا تسعه السماوات، الإله الذي صار جسدًا. فكما السلّم يصل السماء بالأرض كذلك العذراء مريم، بقبولها بشارة الملاك بكلّ حريّة، جمعت عالم الإلهيّات بعالم الأرضيّات.

على السلّم يقف الرّب، كذلك في أحشاء مريم.

رابعًا: الله يجدد الوعد ليعقوب.

الرّب آمين في وعده، ونسل يعقوب الذي به ستتبارك جميع قبائل الأرض ما هو إلّا الرّب يسوع نفسه الذي بدأ الكلام به من أوّل صفحات سفر التكوين: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه (15:3)".

نعم، إنّها نبؤة الخلاص، من سيأتي من حواء سيسحق رأس الحيّة وإن لُحس عقبه، أيّ الموت على الصليب. وخير مفسّر لآيات النسل هو ذاك الفرّيسيّ الذي وجد طريق دمشق، بولس الرسول الذي كان شاول المضطهّد الأول للمسيحيّين:"وأمّا المواعيد فقيلت في ابراهيم وفي نسله. لا يقول:«وفي الأنسال» كأنّه عن كثيرين، بل كأنّه عن واحدٍ:«وفي نسلك» الذي هو المسيح (غلاطية 16:3)، وبكمل ليقول في الإصحاح ذاته:"فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل ابراهيم وحسب الموعد ورثة(29)".

الكنيسة في هذه القرأة تناشد المؤمنين لتقول أن عيد رقاد السيّدة هو عيد سيّديّ، أيّ مرتبط بالسيّد في كلّ كلمة منه.

j5 الحجر تحت رأس يعقوب يرمز للمسيح الذي هو حجر الزاوية الذي نسند عليه رأسنا وننام مطمئنين حتى ولو سرنا في وادي ظل الموت لا اخاف شرًا لأنّك أنت معي.(مزمور 4:23).

خامسًا: الرّب في هذا المكان:

الرّب لا يحدّه مكان ولا زمان، ويكون حيث نحن لا نتوقّع أن يكون، لأنّه في بحث دائم عن الإنسان ليخلّصه. ألم يجلس الرّب في وسط الظهيرة على بئر يعقوب ليخلّص المرأة السامريّة(يوحنا 4)

في الماضي ظن اليهود أن الله موجود فقط في الهيكل، وها هو يكلّم إرمياء النبيّ على ضفاف نهر بابل ليجعل شريعته في قلوبهم (إرميا 33:31).

وأيضًا قد يكون اعتقد يعقوب أن إلهه محصور في مذبح العائلة فقط، وها هو يتفاجىْ أنّه موجود في وسط البريّة التي كانت بحسب المعتقدات القديمة مسرح الشياطين.
والآن أيضًا، الرّب في وسط زوبعة هذا العالم المتصارع مع ذاته، لأن الرّب هو الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كلّ شيء. (رؤيا 7:1).