
صباح يوم الأحد 10/2/2013 في الساعة التاسعة قرعت أجراس كنيسة الصليب المقدس مستقبلة صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق مع حشد غفير من السادة المطارنة والإكليروس الأرثوذكس، وحضور مميّز من الطوائف الشقيقة تمثّل بوجود صاحبي الغبطة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي (للموارنة) وغريغوريوس الثالث اللحام (الروم الكاثوليك)، والسادة المطارنة ممثلين طوائفهم، السفير البابوي في دمشق مونسنيور زيناري، المطران بولس السوقي ممثلاً قداسة بطريرك السريان الارثوذكس مار اغناطيوس الاول زكا عيواص والمطران جان قواق (السريان الأرثوذكس)، المطران أرماش نالبنزان (الأرمن الأرثوذكس)، مونسنيور ريمون جرجس (اللاتين)، المطران سمير نصار (الموارنة)، والقس بطرس زاعور (الكنيسة الإنجيلية). بالإضافة الى حشد غفير من المسؤولين تقدّمهم ممثل رئيس الجمهورية الوزير منصور عزام ورئيسا مجلس الشعب والوزراء مع سفراء كل من روسيا وايران، وسط حشد كبير من المؤمنين. وقد خدمت القداس الإلهي جوقة معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند برئاسة الاستاذ جلبير حنا. كما عاون غبطته السادة المطارنة: جورج خضر، الياس كفوري، دامسكينوس منصور، بولس يازجي، سابا اسبر، جورج أبو زخم، باسيليوس منصور، افرام كرياكوس والأساقفة: موسى الخوري، لوقا الخوري، غطاس هزيم، نقولا بعلبكي، اثناسيوس فهد، ديمتري شربك، ايليا طعمة، كوستا كيال، اغناطيوس الحوشي.
الكلمات في التنصيب
كلمة المجمع الإنطاكي المقدس
كلمة المجمع الأنطاكي المقدّس في تنصيب صاحب الغبطة يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، ألقاها سيادة المطران جاورجيوس، راعي أبرشيّة جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
“إذهب إلى بني شعبك وقلّ لهم كلام السيّد الرب، سواءٌ سمعوا أم لم يسمعوا”
من أين لك سيدي أن تقول لنا كلام السيد الرب؟ أذكر أن الكنيسة المقدسة لما جيء بك إلى المذبح لتُقامَ أسقفًا جعلت الإنجيل مفتوحًا على رأسك لتعبّر لك رمزيًا على أنك تجيء من هذا الإنجيل فقط وليس من دنياك ولا من انفعال بشري لأنك أنت لا تتأثر إلا بكلمة الله التي نزلت عليك مرة وإلى الأبد من كتاب الله.
ولم نُجلسك على سدّة اصطنعناها من هوانا أو من هواك. لقد قال لك ربك يا يوحنا تحنن على قطيعي بما هو عندي لا بما تحمله من بشرتك، هذا يجعلك تقول: “أنا عبدك يا رب، عبدك أنا وابن أمتك”.
إن غدوت هكذا تصير معلّما فالتعليم من التواضع الذي يرفع وحده رئيسَ الكهنة إلى المهابة والقوة ويعطيه عصا الرعاية يدفع بها عن الرعية المُفتداة كلّ هشاشة وجهل ليجعلها في المقامات العلى من المجد الإلهي.
وافهم أن الإنجيل وجد ليُصبحَ كلّ منا إنجيلاً حيًّا أي كلمة الله. كلّ ما يقوله الناس عن قوة الأسقف وهيبته ينبغي ترجمته أن لا قوة إلاّ بالكلمة والتسلّح بكل مقتضياتها. هي التي توحي بحكمة الله. نحن الأساقفة لسنا أساتذة إدارة ومال واقتصاد. نحن نصير أساتذة الإنجيل إن خضعنا له ولُكناه أي صرناه في أعماق نفوسنا وفي كلّ أحكامه.
من لا يبغي أن يخضع في ترابيته لهذا الإنجيل ليس له محل بيننا. إنه قد أضاع العنوان ويذهب بكرامته إلى حيث ابتغى. الذين يحبون ربنا يسوع المسيح والذين لا يحبونه واجبهم أن يفترقوا ليبقى بيت الله سليم البناء.
هذا أوان التجدد يا سيدي. حلولك في واجهة مدينة الله أنطاكية العظمى أمرٌ نفذ إليك من فوق لتطردَ اللصوص من الهيكل وتجعله مكانًا لائقًا بالرب. ذكّر كل من أخطأ أن لا مكان للهشاشة والخيانة بعد اليوم. “الأشياء العتيقة قد مضت. ها كلّ شيء صار جديدا” إن ثوب المسيح غير المخيط سنعمل المستحيل للحفاظ عليه في شراسة كبيرة. لقد ذهبت أزمنة السوء وأطلّ فجر القيامة.
المطران جورج خضر
كلمة المجمع المقدس لكنيسة بلغاريا
كلمة المجمع المقدس لكنيسة بلغاريا ألقاها صاحب السيادة المطران ناثانائيل متروبوليت نيفروكوبيو
صاحب الغبطة بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى، سوريا والعربية وكيليكية وبلاد الكرج وما بين النهرين وسائر المشرق كيريوس كيريوس يوحنا،
أشعر بالسعادة بشكل خاص لكوني موجود اليوم هنا بتفويض من المجمع المقدس لكنيسة بلغاريا في هذه اللحظة التاريخية بالنسبة لعرش بطريركية أنطاكية المقدس ولشخصكم المستحق لهذا العرش. نحن موجودون هنا تجمعنا الشركة والمحبة الأخوية. أتينا بفرح قلب لنشترك في هذه المائدة الروحية التي هي فرحٌ وابتهاجٌ لكم وللأرثوذكسية جمعاء.
لقد أهّلكم الإله الكلي الصلاح أن ترتقوا عرش كنيسة أنطاكية هذا في أيام صعبة تمرُّ بها الأرثوذكسية عامّة، وبخاصةِ رعيّتكم التي تُحيط بها الحروب والخصومات.
لقد خلِفتم بطريركاً كرّم هذا العرش المقدس لأعوام طويلة، وأبرزه بعمله الروحيّ والاجتماعي الهام وذلك بتنظيمه للتعليم المسيحي وباهتمامه الخاص بالتثقيف الروحي للإكليروس والشعب. ولذا يصبح عملُكم أصعب، ليس فقط لتحافظوا على استمرارية ما هو موجود، بل لتتقدّموا به أيضاً إلى أفضل مما هو عليه الآن.
ولكوني يا صاحب الغبطة أعرف جيداً روحانيتكم العميقة، ومحبّتكم الكبرى للأرثوذكسية، والجهود التي تبذلونها من أجل وحدة وتقدّم الكنائس المحلّية، واهتمامَكم ورعايتكم للشباب، ومحبتكم العظمى للشيوخ، فأنا واثقٌ بأنكم ومن موقعكم الجديد هذا، المليءِ بالمسؤولية، ستعملون بالأكثر وبغيرة كبرى على قيادة سفينة كنيسة أنطاكية التي تستلمون دفتها اليوم رسمياً، وكذلك على وحدة الكنيسة الأرثوذكسية التي باتت ضرورة حتمية اليوم.
وأنا واثق أيضاً بأن روح المغبوط الذكر الأب بوليكربوس موجودةٌ اليوم فيما بيننا، مبتهجةً بكم في الأعالي، وهو الذي أفدنا كثيراً من نصائحه الروحية ولا نزال نَنْهلُ منها في عملنا الروحيّ الصعب والمليء بالمسؤولية. صلاتُه من السماء ستكون معنا دائماً ونصائحُهُ سترافقنا، فلتكن أدعيته معنا.
ثقوا يا سيدي، بأن الكثيرين اليوم وفي المستقبل سيرفعون أدعيتهم إلى الرب لكي يُؤيّد عملكم الكبير والصعب، ومن بينهم تتميز صلوات آباء دير القديس بولس الذين استأهلتم أن تنالوا في ديرهم نعمة الإسكيم الكبير.
يا صاحب الغبطة، إن علاقات كنيستينا البلغارية والأنطاكيّة المتينة وكذلك روابط المحبة الأخوية والصداقة التي تقوم على أساس وحدة الإيمان ستستمرُّ بيننا وستصبح أقوى على عهدكم.
وإذ أُعبّر عن مشاعر قائم مقام كنيستنا المترمّلة سيادة المطران كيرلس ميتروبوليت فارناس وفيريكوبريسلاف وأعضاء المجمع المقدس والإكليروس وشعب الله، أدعوه تعالى أن يُظلِّلكم بأجنحته وأن يمنحكم الصحة والعمر المديد لكي تقودوا كنيسة أنطاكية بتوجيهكم الروحيّ وإدارتكم الحكيمة لتجد أيام بهجة ومجد روحيّ.
وبمناسبة تنصيبكم اليوم، أُقلّدكم كممثّل لكنيسة بلغاريا أيقونة القديس يوحنا ريلاس هذه، وهو ذاك القديس العظيم والحامي، مع دعائي الحارّ أن يتوسط لدى الرب مؤسس الكنيسة ليفوح عطر عملكم الكبير والمُجهد الذي تتعهدونه في هذا اليوم التاريخي.
إلى أعوام عديدة يا سيد
كلمة قدس الأرشمندريت برثينيوس
كلمة الأرشمندريت برثينيوس، رئيس دير القديس بولس – الجبل المقدس
صاحب الغبطة بطريرك مدينة الله العظمى يوحنا
إن رهبان جبل آثوس فرحوا فرحاً عظيماً لسماع خبر انتخابكم بطريركاً على الكرسي الثالث بحسب ترتيب الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية.
وعليه، واستجابةً لدعوتكم قرروا أن يشتركوا في فرح كنيسة أنطاكية هذا فأرسلوا شخصي المتواضع على الرغم من شيخوختي.
أنتم معروفون لدى رهبان الجبل المقدس منذ أكثر من ثلاثين عاماً عندما أنهيتم دراستكم اللاهوتية في مدينة سالونيك وعشتم في ديرنا، دير القديس بولس، لمدة سنتين ببركة صاحب السيادة يوحنا ميتروبوليت اللاذقية. في ديرنا تقبلتم الإسكيم الرهباني على يدي ولكننا نتذكر وداعتكم وتواضعكم وهدوءكم. تلك الأيام التي عشتم فيها في الدير لتتعلَّموا مبادئ الحياة الرهبانية كنتم مثالاً لآباء الدير ورهبانه.
فضائلكم ومواهبكم التي كلّلكم بها الرب يسوع المسيح رفعتكم إلى رتبة رئاسة الكهنوت قبل ثماني عشر عاماً. ومن ثَمَّ بعد انتقال المثلث الرحمات البطريرك إغناطيوس، ثمّن آباء المجمع الأنطاكي المقدس خبرتكم الرعائية خلال هذه السنين فانتخبوكم بطريركاً.
اليوم في هذا الحفل الكنسي تتسلمون عرشاً زينه أشخاص قديسون عظماء كإغناطيوس المتوشح بالله وملاتيوس وبطرس، أشخاص ثبّتوا الإيمان في ظروف صعبة. فمع صلوات هؤلاء القديسين نضمُّ صلواتنا حتى يُظهركم الرب الإله مستحقين لهذه الثقة التي مُنحت لكم من قِبل إخوتكم رؤساء الكهنة، ويمنحكم القوة للعمل من أجل الكنيسة كما عمل أسلافكم فتستحقّون معهم ملكوت السموات.
بتواضعٍ أصرخ نحوكم: مستحق، مستحق، مستحق.
كلمة صاحب الغبطة البطريرك غريغوروس الثالث
كلمة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك انطاكية وسائر المشرق، الأسكندرية و أورشليم للروم الملكيين الكاثوليك
صاحب الغبطة الأخ الحبيب سيدنا وبطريركنا يوحنا، كلنا نقول اليوم: “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب لنفرح ونتهلل به”. ومع الجمع والشعب الذي استقبل الرب يسوع في الشعانين نقول: “مبارك الآتي باسم الرب”. ومع كل المحبين أقول لكم: “إننا نحبكم” وإن شاء الله هذه المحبة تجمعنا إلى ما شاء الله في هذا البلد الحبيب سوريا. أهنئكم باسمي وباسم المجمع المقدس لكنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية وباسم الكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين والمؤمنين والمؤمنات وخصوصاً أبناء الروم الكاثوليك في سوريا وفي دمشق وفي العالم أجمع. ونقول لكم أننا نحن في شركة روحية إيمانية قلبية أخوية معكم أكثر بكثير مما في شركة كنسية لأن المحبة كما سمعنا في الرسالة هي التي تبقى ولا يمكن أن تسقط أبداً.
ونقول لكم إننا سنبقى نعمل معاً كما كنّا نعمل مع سلفكم المثلّث الرحمة أخي وحبيبي البطريرك أغناطيوس الرابع الذي نذكره اليوم بالمحبة والتقدير والعرفان لما عمله في كنيستنا المباركة الأنطاكية. وأيضاً سأعمل معكم في الرعاية وكذلك مع أخي الغائب قداسة البطريرك مار أغناطيوس زكا الأول عيواص، وأن نبقى (نحن البطاركة) فرساناً ثلاثة نعمل في سوريا لأجل وحدة مسيحية ووحدة مسيحية إسلامية أيضاً. خصوصاً في هذه الأيام الصعبة فأبناؤنا وكل المواطنين يقولون يا رعاة الكنائس المسيحية توحدوا لكي نعمل معاً لأجل سوريا، لأجل أمن وأمان واستقرار كل المواطنين بشكل خاص حتى يعيشوا بأمان ويناموا مرتاحين في هذه الأيام الصعبة التي تجتازها سوريا، كي ننتهي من هذه الأزمة ونكون من جديد سوريا واحدة، تاريخ واحد، مستقبل واحد. وأنا أقول مع صلاة الكنيسة: اذكر يارب أخانا وأبانا صاحب الغبطة البطريرك يوحنا، وأنعم على كنائسك المقدسة أن يكون في سلامٍ معافىً صحيحاً مديد الأيام مفصّلاً بإحكام كلمة حقك. مبروك.
كلمة صاحب الغبطة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
كلمة صاحب الغبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة
أخي صاحب الغبطة يوحنا العاشر
في هذا اليوم العظيم، الذي فيه دعَتْك العناية لتجلسَ على كُرسيّ أنطاكية وسائر المشرق لكنيسة الروم الأُرثوذكس، يُسعدني، وأنا شقيقٌ لكَ كبطريركٍ على كنيسة أنطاكية المارونية، أن أحمل لغبطتكَ دُعاء ومحبَّةَ سينودس كنيستنا المقدَّس، يرافقني مطراننا في دمشق هنا، ومطراننا في اللاذقية، ومطرانان من الدائرة البطريركية، وتغيّب لأسبابٍ قاهرة مطرانُنا في حلب، فباسمهم وباسم كُلِّ الموارنة في سوريا، وكُلِّ الموارنة في لبنان والشرقِ الأوسط وعالمِ الإنتشار إكليروساً وشعباً، نقولُ لكَ صاحبَ الغبطة اليوم، كُلَّ المحبة وكُلَّ المودّة لشخصِكَ، وللكنيسةِ التي أنت اليومَ دُعيتَ لتكونَ رأسَها وراعيها.
تأتي في زمنٍ صعب في سوريا العزيزةِ المتألِّمة الجريحة. ونحنُ عشنا في لبنان هذا الجُرحَ البليغَ من حُروبٍ عبثيّة. جئنا اليومَ لنؤكِّد ونشدِّد أواصرَ الوحدة والمحبَّة والمودَّة والشركة فيما بيننا. وجئنا أيضاً لنقولَ معكَ كُلَّ تضامُنِنا لشعبِنا هنا المَجروحِ المُتألّم لكي نُعلنَ معاً، مع كُلّ كنائسنا في هذه المنطقة من العالم وفي سوريا، وجذورُنا عميقةٌ فيها جذورُنا لِكُلِّنا، جئنا لنقول: نحنُ نحملُ معاً إنجيل السلام، إنجيلَ المسامحة، إنجيلَ كرامةِ الإنسان وقيمتِه. فكُلُّ إنسان، بل كُلُّ دمٍ بريءٍ يسقطُ على هذه الأرض الطيبة هو دمعةٌ من عيون المسيح. هذا الإلهُ الذي صارَ إنساناً لكي يُعيد لكُلِّ إنسانٍ مهما كان دينُه وثقافتُه ورأيُه ولونُه، ليقولَ أنَّ للإنسان كرامةً. فهو، كُلُّ إنسانٍ، مخلوقٌ على صورةِ الله، مُفتدىً بدمٍ ثمين دمِ المسيحِ على الصليب، ومدعوٌّ ليكونَ شريكَ الله في بناء طريقِ البشر. هذا هو الظرفُ الذي فيه تُنتخبُ صاحبَ الغبطة من الرُّوح القدُس والمجمعِ المقدَّس راعياً للإنجيلِ ونحنُ معك. هذه هي الغايةُ التي من أجلها اليومَ نحنُ هُنا، كُلُّنا لنقولَ لك مبروك ونقول لك: يا يوحنا، تحملُ اسم القديسِ الحبيبِ على قلبِ يسوع، والذي بشخصِه تسلَّمتْ مريمُ، ومِنْ عُمقِ آلامِ الصليبِ أُمومتَها للبشرية جمعاء، فَكُنْ أيُّها الراعي الصالحُ، وأنتَ كذلك، أباً وراعياً ليس فقط لكنيستِكَ بل لكُلِّ كنيسةٍ ولِكُلِّ إنسان. هذه رسالتُنا نُعلنها اليومَ من هنا، من كنيسةِ الصليب مع الكنيسةِ المريميّة حيث كُرسيّكُم لنؤكِّدَ أننا، أّيُّها الإخوةُ والأخوات، كُلُّنا إخوةٌ وأخوات، وكُلُّنا مدعوون لكي نُعلنَ كرامَةَ الإنسان، كُلِّ إنسان، ونحافظ على الحياة البشريّة فهي قيمةٌ لا ثمنَ لها. وكُلُّ ما يُقالُ ويُطلبُ من أجْل ما يُسمى إصلاحاتٍ وحقوقَ إنسانٍ وديمُوقراطيات، هذه كُلُّها لا تساوي دمَ إنسانٍ واحدٍ بريءٍ يُراق.
صاحبَ الغبطة والسادة المطارنة، هذا الكلامُ أقولُهُ أيضاً بصفتي ومعي أخي صاحبَ الغبطة غريغوريوس، أقولُ باسم مجلسِ البطاركَةِ والمطارنة الكاثوليك في لبنان، وباسم مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك: مبروك صاحبَ الغبطة، نحنُ معَك في الصلاة، نحنُ معك.
الإنجيلُ الذي قُرئ على رأسِكَ يومَ كنتَ أسقفاً وأنت الراعي الصالحُ، هذا الإنجيلُ نحملُهُ معك في سوريا، في لبنان، في هذا الشرق من أجل أن يَعُمَّ السلامُ والمُصالحةُ والحقيقةُ والمَحبّة.
عِشتُم صاحبَ الغبطة وسنين عديدة يا سيد.
كلمة صاحب الغبطة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عيواص
كلمة صاحب الغبطة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عيواص، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذوكس، ألقاها صاحب السيادة الأسقف بولس السوقي، النائب البطريركي في دمشق
أيها الأحباء، أتلو على مسامعكم كلمة قداسة سيدنا البطريرك المعظّم مار أغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك انطاكية وسائر المشرق الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم أجمع، الكلي الطوبى والتي أرسلها في هذه المناسبة التاريخية.
“صاحب الغبطة أخينا البطريرك يوحنا العاشر يازجي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الكلي الطوبى.
أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة والنيافة والفضيلة. أيها الرسميون. الآباء الكهنة والإخوة الرهبان والراهبات. أيا عباد الله:
نحييكم جميعاً باسم ربنا يسوع المسيح ونرفع الشكر والتسبيح إلى العزة الإلهية التي أوحت بإلهام الروح القدس فاختارت غبطة اخينا البطريرك يوحنا العاشر ليجلس على كرسي مار بطرس الرسول بالنعمة وكل الإستحقاق، يُنَصَّب بطريركاً لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس خلفاً لغبطة أخينا المثلث الرحمات البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم. فالمجد للرب الإله الذي استجاب لصلواتنا وصلوات جميع أبناء الكنيسة واختار غبطتكم لترعوا شعبه الطيّب رعايةً صالحة لا سيما في هذا لوقت الذي تعاني فيه الكنيسة المجاهدة على الأرض من تحدياتٍ ومتغيراتٍ كثيرة وسط جوٍّ من الحروب والنزاعات جرّاء ابتعاد الإنسان عن الله وهذا ما يريده عدو الخير والإنسانية.
إننا نؤكّد لكم يا صاحب الغبطة بأننا بنعمة الله سنتعاون معاً بقلبٍ واحد ويدٍ واحدة لنشهد للإيمان الواحد لكنيستينا الأنطاكيتين الأرثوذكسيتين، ومعنا في دمشق أيضاً أخينا صاحب الغبطة البطريرك غريغوروس الثالث لحّام الكلّي الطوبى، لنشهد معاً على استمرار كنيسة سوريا العريقة في القيام بمسؤولياتها الروحية والوطنية، للعمل من أجل خلاص النفوس وانتشار ملكوت الله على الأرض. هذا العمل الذي بدأ منذ عهد الرسل ولا يزال مستمراً حتى يومنا هذا رغم كل الظروف الصعبة التي مرّت بها كنائسنا منذ فجر المسيحية وحتى الآن نتيجة التغيرات والتحولات السياسية والاجتماعية قدَّمت خلالها كنيسة سوريا عدداً لا يحصى من الشهداء إلى جانب إخوتنا المسلمين الذين ما كانوا يوماً إلا سنداً وحِمىً لإخوتهم المسيحيين.
فيطيب لنا بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخوتي الأحبار الأجلّاء أعضاء المجمع المقدس لكنيستنا السريانية الأرثوذكسية، وسائر أبنائها إكليروساً وعلمانين في الشرق وبلاد الإنتشار كافّةً أن نتقدّم من غبطتكم ومن أصحاب النيافة الأحبار الأجلّاء أعضاء مجمعكم المقدس، وكنيسة أنطاكية الأرثوذكسية بأحرّ التهاني متمنّين لغبطتكم التوفيق في رعاية كنيسة المسيح وإلى سنين عديدة.
سيّدي صاحب الغبطة، يحزُّ في قلبي ألّا أكون معكم في هذه اللحظات التاريخية وقد عزّ عليَّ الحضور شخصياً لأفرح بكم فرح الأخ بأخيه مع أنني بشوق كبير لآتي إلى دمشق وألتقي بكم وأشتَمَّ رائحة الياسمين التي تفوح في أحيائها. دمشق عاصمة المجد والتاريخ، وإذ أعتذر عن المشاركة في حفل التنصيب هذا فإنني أشاطركم الصلاة من أجل سوريا الحبيب ليرحم الرب الإله شهداءها ويبعد الغيوم السوداء القابعة في سمائها. ليكن قدومكم إلى دمشق سبب بركة للجميع، ومباركٌ الآتي باسم الرب: أكسيوس، أكسيوس، أكسيوس.”
كلمة صاحب الغبطة البطريرك كاراكين الثاني
كلمة غبطة البطريرك كاراكين الثاني كاثوليكوس عموم الأرمن الأرثوذكس إتشمياتزين، ألقاها صاحب السيادة المطران آفاك آزودوريان، مطران بغداد وتوابعها
صاحب الغبطة يطيب لي أن أقرأ على مسامعكم كلمة صاحب القداسة كاراكين الثاني كاثوليكوس عموم الأرمن من حاضرة إتشمياتزين المقدسة:
“صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الكلي الطوبى. أخينا بالمسيح له المجد، نحن من كاثوليكوسية الأرمن الأرثوذكس بإتشمياتزين المقدّسة نرسل لكم تحياتنا الأخوية والروحية بمناسبة انتخابكم بطريركاً على كرسي انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس. برعاية الله وحمايته أُوكِلَت لكم السدّة البطريركية الأنطاكية التاريخية في هذا الوقت العصيب الذي تمر به سوريا الوطن ومنطقة الشرق الأوسط؛ سوريا التي هي حبيبة كل القلوب التّواقة للسلام.
إن انتخابكم لهذا المنصب جعلكم الخادم الأول للكنيسة الأنطاكية الشقيقة، والراعي الصالح للخدمة، لمقدرتكم وقوتكم لتتواصلوا مع الرعية وأبنائها والاستمرار في التعاون مع كافة الكنائس الشقيقة والأديان في سوريا.
إن الله يلهمكم ويعطيكم القوة والنشاط لتكملوا عمل سلفكم وذلك بالاهتمام بالمصالح الروحية لرعية الله، ولتقوموا بالمبادرة الصالحة في هذا الوقت العصيب، ولتعملوا من أجل حوار الأديان.
بفرحٍ عظيم نحن نذكر العلاقة العميقة والتاريخية ما بين الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية والكنائس في سوريا، وخاصةً مع البطريركية الأنطاكية التاريخية. بدورنا نذكر بأن أسلافنا وأسلافكم كانوا دائماً على علاقة أخوية وطيبة منذ قرون عديدة.
بإرادة الله فإن كنائسنا عملوا بنشاط بنّاء بمجال صنع السلام ومساعدة وخدمة المحتاجين. نعم، ستستمر العلاقة الأخوية ما بين كنيستينا لمجد الرب وإحلال السلام في سوريا والشرق الأوسط لكي ينعم الجميع بكافة أديانهم ومعتقداتهم بنعمة الأخوّة بين كافة الأطياف.
فليحم الرب القادر على كل شيء أبناء البطريركية الأنطاكية للروم الأرثوذكس والشعب السوري العظيم وغبطتكم تحت عنايته السرمدية، وليجعل السلام يلوح في أرض سوريا المباركة، وليمنحكم ربنا سنين عديدة وقوة روحية كالخادم الأول في حقل الكرسي البطريركي الأنطاكي.
مباركٌ هو هذا اليوم بمحبة الرب يسوع المسيح.
كاراكين الثاني كاثوليكوس عموم الأرمن، وشكراً.”
كلمة سعادة السفير البابوي في دمشق، المونيسنيور ماريو زيناري
كلمة سعادة السفير البابوي في دمشق، المونيسنيور ماريو زيناري
صاحب الغبطة، لي الشرف والفرح أن أقدّم لغبطتكم محبة ومباركة صاحب القداسة البابا بنديكتوس (السادس عشر) مع مباركتي ومحبتي الشخصية.
وكما أكّد صاحب القداسة لغبطتكم في رسالته لتهنئتكم عن معنى وأهمية الوجود المسيحي في الشرق، وعن ضرورة السعي والعمل من أجل إعادة الوحدة المسيحية لشهادةٍ أفضل للإنجيل في المنطقة. ونحن ندعو إلى الله أن يساعدنا ويبارك سوريا.
كلمة صاحب الغبطة
دمشق، كنيسةُ الصليبِ المقدس، 10 شباط 2013
عظةُ صاحبِ الغبطةِ البطريرك يوحنا العاشر بطريركِ أنطاكية وسائرِ المشرقفيْ حَفْلِ تنصيْبِه
أحبّائي وأبنائي،
نشكرُ الربَّ إلهَنا الذي أعطانا، خلالَ الشَّهرَينِ الماضِيَين، أن نُعيّدَ لِظُهورِه في الجسدِ كإنسان، وَلِظُهورِه كإلهٍ آتٍ إلينا من أجلِ خلاصِنا. ونحن نَعلمُ أنّ يسوعَ بعد أنّ أتمَّ تدبيرَهُ الخَلاصيّ، الصائرَ بالموت على الصليب، وبالقيامةِ مِن بينِ الأموات، وبعدَ أنْ صَعِدَ بالجسد إلى السّماءِ الّتي انحدرَ منها، وجلسَ بالمجدِ عن يمينِ الإله الآب، أرسلَ الرّوحَ القُدُسَ إلينا، لِيَحُلَّ في قَلْبِ كُلِّ مَن يَستَدعِيهِ لِلسُّكنى فيه، فَيَظْهَرَ لَهُ الربُّ يسوع، ويذكِّرَه بكلِّ أقوالِه وتعاليمِه. يُظهِرُ الرّوحُ القُدُسُ يَسُوعَ أوّلاً في الكنيسةِ الّتي هي جَسَدُه، والّتي أرادَها “بِلا وَهَنٍ وَلا غَضَنٍ وَلا شيءٍ مثلِ ذلك” (أف 5: 27). ويجعلُه حاضرًا أيضًا، داخلَ الكنيسة، في كلمةِ إنجيلِه، في جسدِ ودمِ سرِّ شُكرِه، في لقاءِ إخوتِه المجتمعين باسمِه، وفي كلّ إنسان، وخاصّةً في كلِّ فقيرٍ ومشرَّدٍ ومكسورٍ ارتضى هو أن يسكنَ فيه. وكذلك يُظهِرُه في كلِّ مكانٍ يَهُبُّ الرُّوحُ فيه كما يَشاء، جاعلاً اِيّاهُ حاضرًا مَخْفِيًّا في الدِّياناتِ والثّقافاتِ كافةً.
يَسُوع، العِمّانوئيل، هُوَ حاضرٌ دوماً، هُنا وَثَمّةَ، حاضِرٌ فيما بينَنا. هُوَ دائمًا مَعَنا، مستعدٌ لِلُقْيانا. يَفرحُ لأفراحِنا، يَغتبطُ لقداستِنا، ويَبكي معَنا في مصائبِنا وأحزانِنا. ويَبكي أيضًا علينا كلّما تَهاونّا، رعاةً ورعيّةً، في العيش بمُقتضى تعاليمِه، وكلَّما غطَّتْ خطايانا وجهَهُ الدّامِيَ والمَجيدَ، ومَنَعَتِ العالَمَ أن يَجِدَهُ في كنيستِهِ ومن خلالنا.
تَعالَوا، يا إخوتي، في هذا اليومِ المُبارَك، الّذي يُسنَدُ فيه إليّ صَليبُ رِعايةِ هذه الكنيسةِ الأنطاكيّةِ العظيمةِ بتاريخِها، نتكاتفْ ونتعاونْ لإظهارِ هذه العظمةِ وعيشِها. ويكونُ ذلك أوّلاً بإصغائِنا، معًا، إلى يَسوعَ، كما نُصلِّي في صلواتِنا كلَّ يومٍ ونقولُ “علِّمنِي أنْ أعملَ ما يُرضيك لأنّك أنتَ هو إلهي” (مز 142: 10).
لا يُرضي الرّبَّ أن يَرى أنَّ الوَحْدةَ التي أرادَها بين أبناءِ شعبِه تتصدّع، وأنَّ شعبَهُ يَنقسمُ إلى فئات. نحن، معًا، نؤلّفُ شعبَ الله، شعبًا مَواهبيًّا، أُمّةً مقدَّسةً، كَهْنُوتًا مُلوكيًّا. كلُّ واحدٍ منّا يحقّقُ المواهبَ المُعطاةَ لَهُ مِنَ الرّوحِ في خدمةِ الآخَرِين. الرّاعي هُوَ الخادِمُ الأوّل، الّذي يَتَفانى مِن أجلِ أعضاءِ رعيّتِه، مُنادِيًا كلَّ واحدٍ منهم باسمِه، على غِرارِ الرّاعي الصّالحِ الأَوحَدِ الّذي أَعطى حياتَهُ من أجلِ أحبّائِه. لا يأمرُ الرّاعي “كَمَنْ لَهُ سُلطان” (إغناطيوس الأنطاكي، الرسالة إلى أهل أفسس 3: 1)، كما قال القدّيسُ إغناطيوسُ الأنطاكيّ، وهو مِن أوائلِ كِبارِ رُعاةِ كنيستِنا الأنطاكيّة، في رسالته إلى أهلِ أفسس. يأمرُ بالتّفاني والمحبّة. يأمرُ بالصّليب الذي يَصعدُ إليه مُختارًا، على مثال المعلّم. عليه أن يُراقبَ مَواهبَ أبناءِ رعيّتِه، مُمَيِّزًا الصالحَ بينها مِن أجلِ تنمِيَتِه، وأنْ يدعوَ كلَّ واحدٍ إلى المساهمة في ورشةِ الملكوتِ الّتي تبتدِئُ على هذه الأرضِ في الكنيسة. وعلى الرعيّة، أن تضعَ كُلَّ إمكاناتِها في خدمةِ الكنيسة، الّتي هِيَ أمُّنا الحقيقيّة، مِن أجلِ المُشارَكةِ في خدمتِها، بعيدًا عن كلّ وجاهةٍ ومُعاظَمةٍ، من أجل إبراز وجهِ المسيح، بإمامةِ أُسقُفِها الّذي يَدعُوها دَومًا إلى المحبّةِ والخدمةِ المتبادَلة. “إنَّ لَكُمْ مُعلّماً واحِداً وأنْتُمْ جَميعاً إِخوةٌ” (مت 23: 8). فتعالَوا نُفَعِّلْ هذه الأُخُوَّةَ في الاِحترامِ المتبادَل، والخُروجِ مِن ذَواتِنا، على صورةِ الله الذي أحبّنا حتّى الموت.
لا يُسَرُّ الرَّبُّ برؤيةِ كنيستِه، المدعُوّةِ إلى رِعايةِ الجَميع، لا تَهتمُّ بالفُقَراءِ اهتمامًا كافِيًا، هؤلاء الصّغارِ الّذين أَحَبّ، ولا تجعلُ منهم إحدى غاياتِ مؤسّساتِها ونشاطاتِها. يريدُ يسوعُ ألا يُعانيَ أحدٌ من الفَقر، خاصّةً عندما يرى أنّه لا ينقُصُنا لا المالُ ولا الإمكاناتُ. فلنضعْ أمامَ أعيُنِنا ما قالَهُ يوحنّا الذّهبيُّ الفم، هذا الرّاعي الكبيرُ الّذي انطلقَ من أنطاكية، مذكِّرًا كلَّ واحدٍ منّا وقائلاً له: “أنتَ لا تملِكُ أيَّ شيءٍ ممّا هُو لَكَ، بل هو مُلكُ الآخرين… إنّه لكَ ولِقريبِك، مثلُ الشّمسِ والهواءِ والأرض” (عظة 20 عن الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس).
يتألم يسوعُ عندما يَرى أنّ أعدادًا مِن أبنائنا، وخاصّةً من الشباب، يتشرّدون فكريًّا ويبتعدون عن البِيعة أو يَغرقون في لامبالاةٍ خانقة. علينا أن نضعَ استعادةَ هؤلاءِ إلى المسيحِ وبيعتِه في مقدّمة أولوّياتِنا، لكي نفرحَ بِعَودةِ الأخِ الشّاطرِ وندعُوَهُ لاِتّخاذِ مكانِه الواجبِ في وَرشةِ الكنيسة. لماذا لا نبحث جِدِّيًّا عن الأسباب الحقيقيّةِ لِهِجرةِ شبابِنا هذه؟ لماذا لا نطوّرُ سُبُلَ رِعايتِنا للخروجِ نحوَهُم، وإقناعِهِم ليس فقط بالكلام، بل بواسطةِ إحياءٍ ليتورجيٍّ وتعليمٍ يسترجعُ الأصيلَ مِن تقليدِنا، ويخلعُ الرّتابةَ عن بعضٍ من مُآذاراتِنا؟ علينا
أن نبتكرَ ما يمكِّنُهم مِن الوُلُوجِ إلى أعماقِ ليتورجيّتِنا المُلهَمَةِ، وجَعلِهم يَغرِفُونَ مِنها، وأن نُبيّنَ لَهم أنّها ستَفتحُ أمامَهُم مَجالاتٍ ومَجالاتٍ لِلوُلُوجِ إلى قَلبِ الله والإِخْوة. أمامَنا وَرشةٌ كبيرةٌ جِدًّا مِن أجلِ تحديثِ أساليبِ رِعايتِنا وبَرامجِ تَربيتِنا ومَناهجِها. وتَتطلَّبُ وَرشةٌ كهذه مساهمةَ الكاهنِ والراهبِ والرّاهبةِ والعِلمانيِّ والعِلمانيّة، كما عليها أن ترتكز على معرفةِ اللاهوتيّ، والمتخصِّصِ بالتربية، والعاملينَ في حقلِ الرِّعايةِ والعملِ الاِجتماعيّ، على حَدٍّ سَواء.
نعم، فالشُّبّانُ والشّابّاتُ هُمْ غِنى الكنيسة. هُم سُفَراؤُها في هذا العالَمِ المُتَغيِّرِ المَعالِمِ بِسُرعةٍ فائقة. نُريدُهم أن يأخذوا دَورَ السُّفَراءِ هذا بِكلّ جِدّيّة، وأن يَعلَمُوا أنّ الكنيسةَ جَمْعاءَ بحاجةٍ إلى اندفاعِهِم وإلى الاِلتزامِ الّذي يَعرفُ الشّبابُ أكثرَ مِن غَيرِهِمِ الغَوصَ فيه، مكرِّسِينَ حياتَهم للهَدفِ الذي يَضَعُونَ أمامَهم. علينا أن نَجعلَهم يَعُونَ المَكانةَ الخاصّةَ الّتي لَهُم في كنيسةِ المسيح “الّذي أحبَّ الشّابَّ الغَنِيَّ” وَحَزِنَ لِفِراقِه. الشّبابُ دائمًا أغنياءُ بِحَداثَتِهِم وَحماسَتِهِم وَاندِفاعِهِم والمواهبِ الكثيرةِ الّتي يُعطِيهِمِ الله. نحنُ بحاجةٍ إليهم، ونحثُّهُم بمحبّتِنا دوماً على العملِ في ورشةِ الكنيسة، واعتبارِ أنفُسِهِم مسؤولِينَ فيها وعنها، مع إخوتِهم كافّةً وَبِخاصّةٍ الّذين أرادَ اللهُ أن يَسهَرُوا على الجماعة. إنْ أحبَبْناهم كما يُحِبُّ المسيحُ، تصبحُ العلاقةُ بِهِم علاقةَ أُخُوَّةٍ ومَوَدَّةٍ واحترامٍ متبادَل، فيتَعَدَّونَ كلَّ تَضادٍّ بين الطاعةِ والسُّلطة، بل يَعيشُونَ كأبناءٍ في العائلةِ الواحدة، يُطيعونَ مَن يُطيعُ فيها المسيحَ، وتصبحُ السُّلطةُ طاعةً والطّاعةُ سلطةَ محبّة.
وَمِمّا لا يُرضِي الرَّبَّ أن يَرانا متمسِّكينَ بِالحَرف، جامدِينَ فيه دُونَ رُوحٍ أو حياة، فالكنيسة حيّةٌ بالرّوحِ القُدُس. وتأقلمَتْ بواسطتِهِ معَ كُلِّ الأجيال. ليس التقليدُ الكنسيُّ شيئًا جامدًا، يتكرّرُ بِدُونِ وَعْيٍ، بل هو أداةُ خَلاصٍ وفَهْمٍ للسرِّ الإلهيّ. نحن في عصرٍ غالبًا ما يَرفضُ كلَّ تقليد، وهذا ما يؤثّرُ سَلْبًا في شبابِنا. كنيستُنا تواكبُ العصرَ دَومًا لأنّ المسيحَ أرادَها شاهدةً لَهُ في كُلِّ العُصُور. وَمُواكَبَةُ عَصْرٍ كَعَصْرِنا تتطلّبُ أوّلاً أن نرفعَ الغُبارَ المُتَراكِمَ عن تقاليدِنا مِن جَرّاءِ خَطايانا وَمَرِّ العُصور، وأن نعملَ لاِسترجاعِ الأصيلِ في كلّ عَناصرِه. الحَداثةُ نعمةٌ تَدعُونا إلى إحياءِ أُصُولِ عِبادَتِنا وتعليمِنا، وإلى التميِيزِ بين التّقليدِ المقدَّسِ والتّقاليدِ الّتي غالبًا ما نتعلّق بها، مُلْتَهِينَ بِالقُشُورِ وَناسِينَ الحياةَ المتدفّقةَ منها. تقتضي شهادةُ الكنيسةِ في هذا العصرِ أن نميّزَ في الحَداثة، والصّالحُ فيها كثير. علينا استخدامُهُ لاِستقطابِ شعبِنا الّذي يَتأقلمُ بِاطِّرادٍ معَ ثقافةِ الحَداثةِ الّتي تَعُمُّ العالَم. على كنيستِنا ألاّ تخافَ مِنِ استعمالِ ما يُوجَدُ في عصرِنا مِن أساليبَ تمكِّنُها مِن تَحديثِ مُمارَساتِها، وَمَدِّ الجُسُورِ نحوَ شعبِها بِطُرُقٍ وَكَلِماتٍ يَفهَمُها. هكذا فعلَ الآباءُ القدّيسونَ عندما استعملوا الفلسفةَ اليونانيّةَ، التي كانت سائدةً في أيّامِهم، لِنَقْلِ الإنجيلِ وتعاليمِهِ بِلُغَةٍ مفهومةٍ لدى النّاسِ الّذينَ خاطَبُوا. وعلينا أن نَتمثَّلَ بِهم إن كنّا نُريدُ أن نَبقى أُمَناءَ لِنَقْلِ الرِّسالة. فالأمانةُ هِيَ فِي جَعْلِ حَياةِ المسيحِ تَنبُضُ في وُجوهِنا وَعِباداتِنا وَكُلِّ ما يُكَوِّنُ كنيستَنا، فيجدُ فيها النّاسُ طريقَ خَلاص. وفي النهاية، لا يَكُونُ التجديدُ بِتحديثِ نُصوصٍ وَجَعْلِها مفهومةً بِلُغَةِ إنسانِ اليومِ وَحَسْب، بل يَكُونُ بِتَجديدِ الّنفسِ البشريّةِ وَمَفاهيمِها أيضا،ً وَجَعْلِها مُلْتَصقةً بِوَجهِ يَسوعَ وَشاخصةً إليه. آنذاكَ يَتَفاعلُ التّحديثُ البَشَريُّ معَ الَقلبِ الإنسانيّ، وَيُنجِبُ خلاصَ الإنسان.
وَغَنِيٌّ عَنِ القَولِ أنَّ الرَّبَّ يَحزَنُ لرؤيةِ العنفِ والقتلِ يُسيطرانِ في بعضٍ من أوساطنا، كما هي الحالُ في سوريّا الحبيبة في الأيّام العصيبة التي نعيش. لنا فيها إخوةٌ كثيرون شُرّدوا مِن بيوتِهم ووطنِهم، لا عملَ لهم ولا مُعيل. المحبّةُ عَدُوّةُ الموتِ وَكُلِّ عُنف، مِن أيِّ صَوبٍ أتى. علينا اعتبارُ قضيّةِ هؤلاءِ الإخوةِ المشرَّدِينَ قضيّتَنا، وأن نُعِيلَ الّذينَ يُعانُونَ مِن هذه الأوضاع المأسَوِيّة، وأن نتّجهَ إليهم بإطلالةِ محبّة. إنَّ عملاً كبيرًا قد أُنجِزَ على هذا الصعيد لكن لا بدَّ من المزيد، إذ إنّ يسوعَ يتألّمُ في كلّ واحدٍ منهم. فهل نتّجهُ إليه فيهم؟ ألا يَليقُ بِنا أن نتجنّدَ لِخدمةِ هؤلاء، لكي يجعلَنا يسوعُ نَرصُدُ بعضاً مِن أموالنا لَهم، : كـَ “مُدَبِّرِينَ للشّؤونِ الإلهيّةِ” حسبَ قَولِ أحدِ كبارِ قدّيسِيْ كنيستِنا الأنطاكيّة، مكسيموس المعترف؟ ولا بُدَّ لنا، في هذا المضمار، مِن حَمْلِ صليبِ بِلادِنا، والصّلاةِ والعملِ مِن أجلِ المُصالَحَةِ وإحلالِ الأُخُوَّةِ والسَّلامِ والعَدالةِ والحريَّةِ في رُبُوعِنا، رافضِينَ رَفْضًا صارِمًا كلَّ عُنْفٍ وَبَغْضاء.
أَوَلا يَحزَنُ يَسُوعُ عندما يُشاهدُ البعضَ منّا، مِن رُعاةٍ أو مِن رعيّة، نتصرّفُ بعيدًا عن رُوحِ إنجيلِه، فتُشكِّلُ أخلاقُنا عَثَرَةً لكثيرين، بدلَ أن تَهْدِيَ النّاسَ إلى التشبُّهِ بِيَسُوعَ والتَّخَلُّقِ بأخلاقِه؟ لا بُدَّ لَنا إذاً مِن تَوبةٍ شخصيّةٍ وَجَماعيّة، وتَدابير، واتّكالٍ كُلِّيٍّ على الله، عَلَّهُ يَغفِرُ لنا ويَحُثُّنا على ما فيه رِضاه، لأنّ “مَن يشتهي اللهَ ويرتاحُ إليه دائمًا، يُرى اللهُ فيه؛ لأنّ اللهَ موجودٌ في كافةِ براياه”، على حدِّ قَولِ القدّيسِ يوحنّا الدمشقيّ.
وَهُنا تَبرزُ أهمّيّةُ التّنشئةِ الكهنوتيّةِ الصّالحة، والسَّهَرِ على إيجادِ رُعاةٍ بِحَسَبِ قَلْبِ الله، جِدِّيِّينَ وَمُلتزِمِينَ بِرِسالةِ الكهنوتِ السّامية، وعامِلِينَ في وَرشةِ الكنيسةِ الّتي يَدعُونا اللهُ بِإلحاحٍ إلى تَوسيعِها. فأدعو شبيبَتَنا إلى الإقدامِ على هذه الخدمةِ الكنسيّةِ بِتَواضُعٍ وَثَباتٍ وَحُبٍّ كبيرٍ لله، مُتَذَكِّرِينَ قَولَ الرّبِّ لِبُطرس: “إنْ كُنتَ تُحِبُّنِي إرعَ خِرافي” (يو21: 15). وَلِمُساعدةِ هؤلاءِ الكهنةِ في إتمامِ مسيرتِهم وإنجاحِها، سنسعى إلى احتضانِهم والسَّهَرِ على إعدادِهم وتزويدِهِم بكلِّ ما يَلْزَمُ مِن أجلِ إنجاحِ خدمتِهم والاِهتمامِ بتأمينِ حياةٍ كريمةٍ لَهُم، غيرَ ناسِينَ ما للرعيّةِ مِن دَورٍ أساسٍ في هذا المضمار.
تلعبُ الرّهبنةُ في هذا السِّياقِ دَوراً هامًّا في إنعاشِ الحياةِ الرُّوحيّةِ والنّهضةِ الكنسيّة، مِن خلالِ تلك “الواحاتِ الرُّوحيّة”، أعني الأديرةَ الّتي أعطانا الله، في السّنواتِ الخمسينَ الماضية، أن نسترجعَ مَكانتَها في هذا الكُرسيِّ المبارَك، الّذي شَهِدَ نَشْأَةَ الرّهبنةِ في عُصورِ المسيحيّةِ الأُولى. نحن بحاجةٍ إلى أديرةٍ، يَعيشُ أعضاؤُها الشَّرِكةَ الأَخَوِيّةَ في الصّلاةِ والجهادِ الرّوحيّ والعمل، حامِلِينَ إيّانا جميعًا في صَلَواتِهم. ونحنُ على يَقينٍ مِن أنّ صَلاتَهُم تَحمي العالَمَ بِكُلِّ مَن فِيه، وَتُقَوِّي العملَ في وَرشةِ الكنيسة.
يُريدُ يسوعُ أن يكونَ كلُّ شيءٍ بينَنا بِلِياقَةٍ وَنِظامٍ وَحِكمةٍ وترتيب. نحترِمُ أنظمَتَنا وقوانينَنَا ونسعى لتحدِيثِها، إنْ لَزِمَ الأمر، وَلرَفْعِ العَوائقِ الّتي تقفُ أمامَ تنفيذِها، والعملِ الحثيثِ على تطبيقِها. لأنّ القوانينَ ليستْ شرائعَ جامدةً، بَلْ هِيَ تعبيرٌ عن حياةِ الكنيسةِ وَالْتِفافِها حولَ سَيِّدِها. وكذلك علينا أن نجعلَ المؤسّساتِ الّتي أنعمَ اللهُ بها علينا، بِهِمّةِ أسلافِنا الأبرار، أكثرَ وَعْيًا وَحُضُورًا لِمُواجَهَةِ تَحَدِّياتِ عالَمِ الاِستهلاكِ الحديث، ساعِيَةً إلى أنْ تَنْهَلَ مِن تُراثِنا وإطلالاتِ الرُّوحِ فينا، ما يُسهِّلُ عليها مُحاكاةَ هذا العالم، وإعطاءَ أبنائِنا سُبُلَ الوُقُوفِ بِصَلابَةٍ تُجاهَ المُسِيءِ مِن تَحَدِّياتِهِ، والتّـأقلُمِ بِدُونِ خَوفٍ أو تَقَوقُعٍ مَعَ ما يَحمِلُهُ مِن إيجابيّات. لا مُبرِّرَ لِوُجُودِ المؤسَّسةِ في الكنيسة، على أهمّيّةِ دَورِها الثقافيّ والاِجتماعيّ في خدمةِ أبناءِ الله، سوى كَونِها شاهدةً لِيَسُوعَ وناقلةً بِطُرُقِها الخاصّةِ لتعاليمِه.
أرادَ يسوعُ كنيسَتَه أن تكونَ نُورَ العالَم. والنُّورُ لا يُوضَعُ تحتَ المِكيال، بل عليه أن يَشِعَّ في عقولِ مُعاصِرِينا وقُلُوبِهم. علينا دعوةُ كُلِّ قِوانا الحَيَّة، والسَّعيُ لِجَعلِها تَصُبُّ في خِدمةِ أُمِّهِم، كنيستِنا الأنطاكيّة، لِتَبقى على ذاك الوَهْجِ النَّيِّرِ الّذي أَنْتَجَهُ كُرْسِيُّنا الرَّسُولِيُّ عَبْرَ التّاريخ. وهُنا لا ننسى الدَّورَ الكبيرَ لِمَعهَدِ القدّيسِ يوحنّا الدّمشقيِّ اللاهوتيّ، وجامعةِ كنيستِنا الأرثوذكسيّة، جامعةِ البلمند، في المُساهَمَةِ في تَجديدِ رُؤيَتِنا الرِّعائيّةِ والخُروجِ مِنِ اكتِفائِنا بِذَواتِنا، والمُساعَدَةِ على إيجادِ القَولِ المُناسِبِ لِرَفْعِ التَّحَدِّياتِ الجَمَّةِ الّتي تُواجِهُ جِيلَنا، وكذلك دَوْرَ سائرِ مؤسساتنا التربويةِ والإنسانيةِ وغيرِها.
نُبهجُ الربَّ عندما نعملُ، رُعاةً ورعيّةً، من أجلِ توطيدِ وَحْدَةِ الكنائسِ الأرثوذكسيّةِ وَمُواكَبَتِها في سَيرِها نحوَ المَجمَعِ الكبيرِ المقدَّسِ العتيد، ومُواجَهَتِها لِلتَّحَدِّياتِ الّتي تُبعِدُها عن جامِعِيَّتِها. ولا نَنسى هنا ما لكنيسةِ القسطنطينيَّةِ والبطريركيَّةِ المسكونيَّةِ مِن دَورٍ أَساسٍ على هذا الصّعيد. سَنَبقى في أنطاكيةَ جسرَ تواصلٍ بينَ الجميع، داعِمِينَ كُلَّ قَرارٍ يُتَّخَذُ بإجماعِ الكنائس، وعامِلِينَ دَومًا لإيجادِ الحُلُولِ الكَفِيلَةِ بإبرازِ وَجْهِ يَسُوعَ وَحْدَهُ في كنيستِه، بعيدًا عن كُلِّ مجدٍ دُنيَوِيٍّ، من أجل خلاص العالم.
لا بدّ أن يبكيَ يسوعُ لِرُؤيةِ العالَمِ المسيحيِّ المُقَطَّعِ الأوصال، والتَّباعُدِ الحاصلِ بينَ أطرافِه، وتَقَهقُرِ العملِ المسكونيِّ في الآوِنَةِ الأخيرة. علينا أن نُصلِّيَ معَ يسوع، وكُلِّ الإخوة المُنْتَمِينَ إليه، من أجلِ “أن نكونَ واحدًا” (يو17: 11). وعلينا أن نَفهمَ أنّ هذه الوَحْدَةَ هِيَ شَرْطٌ لازِمٌ “لِكَي يُؤمِنَ العالَم” (يو 17: 21). وَما ابتِعادُ النّاسِ عَنِ الإيمان، وَعَدَمُ اكتِراثِهم بمَحبّةِ الرّبّ، وَجَعْلُ كُلِّ رَجائِهِم في الإنسان، بعيدًا عن الله الّذي خَلَقَهُ على صُورَتِهِ وَدَعاهُ إلى التّشَبُّهِ بِهِ والتّأَلُّه، إلاّ علامةٌ بينَ علاماتٍ كثيرةٍ أُخرى تَحُثُّنا على العملِ الدَّؤُوبِ مِن أجلِ إعادةِ اللُّحْمَةِ بين الكنائس، الشَّرقيّةِ منها والغَربيّة، والتَّعاوُنِ العَمَلِيِّ بين أبنائِها في حُقُولِ الخِدمةِ والرِّعاية، وتشجيعِ الحِوارِ لِمَعرِفَةٍ أفضلَ لبعضِنا البعض، وأَخْذِ المُبادَراتِ النَّبَوِيّةِ الجَريئة، لِكي يَهَبَنا اللهُ أن نَصِلَ، في الوقتِ الذي يَرْتَئِيه، إلى الاِشتِراكِ في الكأسِ الواحدة، فنتمكَّنَ عندَ ذلكَ مِنَ القَولِ لِمَنْ يَسألُنا عن إيماننا: “تعالَ وَانْظُرْ” (يو1: 46). تعالَ وَاشْهَدْ كيفَ تَنبُعُ محبّتُنا لِبَعضِنا البعض مِن محبَّتِنا لِلَّذي أَحَبَّنا أَوَّلاً وَبَذَلَ نفسَهُ عَنّا.
لا يرضَى اللهُ عندما يَرى العيشَ المشترَكَ المُحِبَّ معَ الّذينَ يشاركُوننا الوطنَ الواحدَ مِن غيرِ المسيحيّين يَتقهقرُ هُنا وَهُناكَ لأسبابٍ مختلفة، منها السّياسيُّ ومنها اللُّجُوء، عندَنا وعندَهُم، إلى نَزَعاتٍ أُصُولِيّة، لا تَمُتُّ إلى الدِّينِ الأصيلِ بأيّةِ صِلَة. المحبّةُ لا تَعرِفُ الخَوفَ والعِداء، بل “تَتَأَنّى وَتَرْفُق… وَلا تَحسُد… وَلا تَنتَفِخ… وَلا تَظُنُّ السُّوء… وَلا تَفرَحُ بِالظُّلم” (ا كو13: 4). المحبّةُ شِعارُنا وَسِلاحُنا. إنَّنا، نحنُ الأنطاكِيِّينَ، كنيسةٌ مَشْرِقِيَّةٌ جُذُورُها ضارِبَةٌ بِعُمقٍ في مِنطَقَتِنا وَمَشْرِقِنا العَرَبِيّ. ونحنُ، معَ إخوتِنا المُسْلِمِينَ، أبناءُ هذه الأرض. فيها أرادَنا الرَّبُّ لِنَشْهَدَ لاِسْمِهِ القُدُّوس، وَفِيها علينا أن نبقى، مُشَجِّعِينَ العَيشَ المُشتَرَكَ الكريم، ونابِذِينَ كُلَّ ضَغِينَةٍ وَخَوفٍ وَتَعالٍ. أيها الأعزّاءُ المُسْلِمونَ، نحنُ وإيّاكُمْ لَسنا فقط شُركاءَ في الأرضِ وفي المَصيرِ. نحنُ بَنيْنا معاً حضارةَ هذهِ البلادِ، ومُشترِكُونَ في الثّقافةِ والتّاريخِ. لذلكَ يجبُ عَلَينا أن نحفظَ معاً هذه التّركةَ الغاليةَ. كما أَنّنا شُركاءُ أَيضاً في عبادةِ اللهِ الواحدِ الأَحَدِ، الإلهِ الحقيقيِّ، نورِ السمواتِ والأرضِ.
نحن كنيسةٌ ولسنا مجرّدَ طائفةٍ بينَ سائرِ الطَّوائف. الكنيسةُ تَشْمُلُ الطّائفةَ وَلا تُنكِرُها. لكنْ، ليسَتِ الكنيسةُ طائفةً تقفُ اهتماماتُها عندَ حُدُودِها دُونَ سِواها، لأنَّ سَيِّدَنا طَلَبَ مِنّا أنْ نُحِبَّ الجَميعَ وَنَسعى إلى خَيرِ الجميع. هذا لا يعني ألاّ نَهتَمَّ بِشُؤُونِ هذه الجماعةِ الطّيِّبَةِ الّتي تُؤَلِّفُ نَسيجَ كنيستِنا الاِجتماعيّ، ولا بدّ من أن نفعل، بِرُوحٍ إنجيليّةٍ منفتحةٍ على جَميعِ مُكَوِّناتِها. نُصلّي مِن أجل كُلِّ أعضائها بلا انقطاعٍ، لأنّنا بهذا “نَقُودُهم إلى الرّبّ” (إغناطيوس الأنطاكيّ). نُريدُ الاِستماعَ إليهم وإلى مشاكلِهم وَمُعْضِلاتِهم، والمُساهَمَةَ في مُعالَجَتِها. نَعرِفُ أنَّ كُثُرًا مِنهُم يُهاجرون خَوفًا أو قَلَقًا على المصير. وآخَرُونَ يُهاجِرُونَ طَلَبًا لِلُقْمَةِ العيش. هذه الأُمورُ في صُلْبِ رِسالةِ الكنيسة. وعليها أنْ تَنْتَبِهَ بِجِدِّيَّةٍ إليها، مُستعمِلَةً ما لَها مِن طاقاتٍ وَمَوارِدَ وَأَوقافٍ، عَلَّهُم يَبقَونَ في رُبُوعِنا. أمّا الذين رَحَلُوا والّذينَ سَيَرحلون، فَعلى الكنيسةِ أن تَجِدَ الأساليبَ النّاجِعةَ لِمُتابَعَةِ رِعايَتِهِم في بِلادِ الاِنتشار، بواسطةِ الأبرشيّاتِ الأنطاكيّةِ المنتشرةِ هُناك. ولكنْ علينا، حيثُما حَلُّوا، أنْ نَدْعُوَهُم دَومًا وَبِإلحاحٍ إلى أن “يَقْتَدُوا بالمسيحِ كَما اقتَدى هُوَ بِالله” (إغناطيوس الأنطاكي، الرسالة إلى أهل فيلادلفية 7: 2)، مُذَكِّرِينَ إيّاهُمْ جميعًا أنّهم “رُفَقاءُ طريق، وَحامِلُو الله” (إغناطيوس الأنطاكي، الرسالة إلى أهل أفسس 9: 2)؛ لأنّه مِن دُونِ الله، وَمِن دُونِ الرُّجُوعِ إليهِ بِاتِّضاعٍ وَانكِسارِ قَلْب، لا جدوى لِلتَّجَمُّعاتِ البَشَرِيّة، وَلا حاضرَ لَها ولا مستقبل.
إخوتي، أبنائي، هَمُّنا المُشتَرَكُ أَنْ نُرضِيَ الرّبّ. هذا هُوَ التّحَدِّي الكبيرُ الّذي أَدْعُوكُم إليه، معَ شُرَكائي في الخدمة، أعضاءِ المجمعِ الأنطاكيِّ المقدَّس، وأبرشِيّاتِنا في الوطنِ والاِنْتِشار، وسائرِ أبناءِ كنيستِنا. الكُرسيُّ الأنطاكيُّ واحدٌ ومتَّحدٌ، وسنَعملُ على أنْ يَبقى كذلك، بلْ وَيَتَوَهَّجَ أكثرَ فأكثرَ لَمَعاناً وإشراقاً. لا تتَقَوقَعُ فيه كُلُّ أَبرشيّة على ذاتها، بل تَسعى معَ أَخَواتِها إلى تَعاوُنٍ وَتَعاضُدٍ، مُنفَتِحٍ على الكنائسِ الأرثوذكسيّةِ والكنائسِ المسيحيّةِ الشّقيقة، وَكُلِّ ذَوِي النَّوايا الحَسَنة. هَدَفُ كُرْسِيِّنا ألا يَسْتَحِيَ بِنا يَسُوع. وعلينا جميعًا أن نتكاتفَ في المحبّةِ وَالوَحْدَةِ، لِلوُصُولِ إلى هذه الغاية. ساعِدُوني لِكَي نَصِلَ إليها، فَتُصبِحَ كنيستُنا مُتَلألئةً بِنُورِهِ على وُجُوهِنا، خادمةً، علامةَ سَلامٍ وَأُخُوَّةٍ وَمُشارَكة، يَقْتَدي بِها هذا العالَمُ المُتَقَهقِر، المُفتِّشُ عن معنى الحياة. ونحن نعلمُ أنّ هذا المعنى هُوَ فِينا، ولكنْ غالبًا ما نُخْفيهِ خَلْفَ أَهوائِنا وَخَطايانا. أَدْعُو بِتَواضُعٍ وَأُخُوَّةٍ كُلَّ أَبرشِيّاتِنا أن تتجنّدَ لِمَسْحِ الغُبارِ عَنِ اللؤلؤةِ الثّمينةِ المُسْنَدَةِ إليها، فتَكُونَ بِتَعاضُدِ أَبناءِ كُلِّ واحدةٍ منها وَمُشارَكَتِهِم في الخِدْمة، شاهِدَةً لِرَبِّها وَرَبِّنا الواحدِ الّذي افْتَدانا بِدَمِهِ الكريم، ويريدُ أن تَستَعِيدَ الكنيسةُ الأنطاكيّةُ، حيثُ دُعِينا مسيحيّينَ أوّلاً، الدَّورَ الطَّلِيعيَّ الّذي لَعِبَتْهُ في القديم.
وأخيرًا وليس آخِرًا، أَوَدُّ أنْ أَرفَعَ الشُّكْرَ، بِاسْمِي وَبِاسْمِ المجمعِ الأنطاكيِّ المقدَّس، إلى السّادة حُكّام سُوريّا وَلُبنان وَشَعْبَيهِما، مُؤَكِّدًا أنّ كُلَّ ما يُصِيبُ البَلَدَينِ يُصِيبُنا في الصَّميم، وكذلك إلى سائرِ الدولِ في مشرِقِنا العربي، طالِبًا مِنَ الله أنْ يُبعِدَ عنها كُلَّ مَكْرُوهٍ وَعُنفٍ وَخَراب، وَيُوصِلَهُما إلى السَّلامِ والعّيشِ الكريم.