مجموعة تراتيل عرّبها وضبطها صاحب الغبطة البطريرك يوحنّا العاشر، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
مقدّمة
«النَّغماتُ في حَدِّ ذاتِها هيَ حُروفٌ مُوسِيقِيَّةٌ صامتَةٌ، أمّا نَحنُ فَعَلَيْنا أَنْ نَنفُخَ فيها مِن رُوحِنا، فَنُحييها ونُعطِيها أَهَمِّيَّتَها. تَحتاجُ الألحانُ إلى الهُدوءِ وإلى أُسلوبٍ رَقيقٍ وهادِئ كي يَستَطيعَ الشَّعبُ المُؤمِنُ أَنْ يَصَلِّي حِينَ نُرتِّلُ». (المرتِّلُ الأَوَّلُ خريلاوس تَالياذوروس)
نُودِعُ بَينَ أَيْدِي مُرتِّلِي كَنِيسَتِنَا الأَنطاكيَّةِ هذا العَمَلَ الموسِيقِيَّ البِيزَنْطِيَّ المتَمَيِّز، الَّذي يَضُمُّ تَسابِيحَ وتَراتِيلَ مُستقاةً مِنَ النُّصوصِ اليُونانِيَّةِ الأَصْلِيَّةِ، وقد عمِلَ على نَقَلِها إلى العَرَبِيَّةِ وَتَرتيبِها وضَبطِها أبونا ومولانا، غِبطَةُ البَطريرك يُوحَنَّا العَاشِر الكُليّ الطوبى والجزيلِ الاحتِرام.
لِذا يَأتي هذا الكِتابُ ثَمَرَةَ إِدْراكٍ راسِخٍ لِحاجَةِ كَنِيسَتِنَا إلى قِطَعٍ لِيتُورْجِيَّةٍ رَصِينَةٍ لَم تَكُنْ مُتَوَفِّرَةً موسيقاها بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ونُظِمَتْ لكي تُغْنيَ طقوسَنَا وتَخْدُمَ احتِفالاتِنا الكَنَسيَّةَ وسَهْرَانِيَّاتِنا.
وَتَتَجَلّى في هذِهِ الأَعمالِ خِبْرَةُ الصَّلاةِ الـمُتَجَذِّرَةُ في الجَبَلِ الـمُقَدَّسِ وفي حَيَاةِ الدَّيْرِ؛ فَهِيَ نِتاجُ سَنَوَاتٍ مِنَ الجُهْدِ والتَّفانِي، بَدَأَتْ يَوْمَ كانَ غِبطَتُهُ راهِبًا وَشَمَّاسًا في دَيرِ القدّيسِ بُولُسَ في جَبَل آثُوسَ، وَيُتابِع دِرَاسَاتِهِ العُليا في جَامِعَةِ سالونيك، في الفَترةِ الواقِعَةِ ما بينَ السَّنوات (1979–1983)، حَيثُ أُتيحَ لَهُ التَّعَرُّفْ على المرتِّلِ المغبُوطِ الذّكر خريلاوس تَالياذوروسَ، مُرتِّلِ كَنيسَةِ الحِكمَةِ المقَدَّسَةِ في مدينَةِ سالُونِيك العَريقَةِ في بِلادِ اليونانِ، وكَذلِكَ على المُرَتِّل الأوَّل ثِيوذوسوبولس خِريسَانثوس مُرَتِّل كَنِيسَةِ القِدِّيسِ دِيمِتْرِيوسْ _ سالونيك، والمُرَتِّل الأَوَّل أَثَناسِيوسْ كَارامانِيسْ في كَنِيسَةِ القِدِّيسِ غرِيغُوريوسْ بَالامَاسْ _ سالونيك، والأُستَاذِ أَنطُونيوسْ أَليِذاكيس، بِالإِضَافَةِ إلى الآباءِ المُرَتِّليِنَ الآثوسيينَ وفي مُقَدِّمَتِهِم الآباء الدَّانياليون والآباء ال ثُوماذِسْ، والأَبْ بَنْدَلايمونْ كارتْسُوناسْ وغيَرهُم.
لَقَدْ نَظَمَ وجَمَعَ غِبطَتُهُ هذِهِ القِطَعَ بِنَفْسِهِ، مُستَلهِمًا وَمُكَمِّلًا ما بَدَأَهُ قبلَهُ مُرتِّلُ الكُرسيِّ الأَنطاكيِّ مِتري المرِّ؛ فَصارَتْ مَعَ الوَقتِ مَجْمُوعَةً مُتَكامِلَةً تَضُمُّ تَراتِيلَ صَلاةِ الغُرُوبِ، صَلاة السَّحَرِ، صَلاةِ النَّوْمِ الكُبرى وَالقُدَّاسِ الإِلَهِيِّ، ومَعَها أيضًا قِطَعٌ مُطَوَّلَةٌ لِعيدِ رُقادِ والِدَةِ الإِلَهِ الفائِقَةِ القداسَة.
ولَمّا كانَتْ هذِهِ القِطَعُ مَكْتوبَةً بِخَطِّ يَدِ غِبطَتِهِ، بَدَتِ الحاجَةُ ماسَّةً إلى نَقْلِها إلى صِيغَةٍ مَطْبُوعَةٍ يَسهُلُ على المرتِّلِينَ قراءَتِها واستخدامِها؛ فآثَرنا أنْ يُمسيَ هذا العَمَلُ المتواضِعُ استِمرارًا لِكِتابِ «مَبَادِئِ الموسِيقَى البيزَنطيّة، مَنشوراتِ البَلَمَندْ عام 1990»، الَّذي غدا مَرجِعًا مُعْتَمَدًا لأَجْيالٍ وأَجْيالٍ تَتَلمذَتْ مِنْ خِلالِهِ على أَبجَديَّةِ الموسِيقَى البيزَنطيَّة وأُصُولِ التَّرتيلِ الصَّحِيح.
أَرَدْنَا بِذَلِكَ، أَنْ نَنْقُلَ لِمُرَتِّلِينَا فِي كَنِيسَتِنَا الأَنْطَاكِيَّةِ عَمَلاً مُتَكَامِلاً تَقْلِيدِيّاً أَصِيلاً، يُوَضِّحُ بِأَنَّ التَّرْتِيلَ هُوَ نَفْخٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا كَيْ تُصْبِحَ النَّغَمَاتُ الصَّامِتَةُ صَلاَةً عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ المُرَتِّلِ الأَوَّلِ تَالِيَاذُورُوس. وقد حَرَصنا على تَصْمِيمِ هذا الكِتابِ بتنسيقٍ وَخَطٍّ بحيثُ يَتِمُّ استخدامُهُ بِسهولَةٍ، في سائِرِ رَعايا كُرسيّنَا الأَنطاكيِّ المقدَّسِ، لِتَمجيدِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ، مَعَ أَبيهِ السّماويّ، وَرُوحِهِ القُدُّوسِ، هوَ المبارَكُ إلى أبَدِ الدُّهورِ. آمِين.
الشَّماس يوحَنَّا حَنّا
تَذكَارُ انتِقَالِ القِدِّيسِ
الرَّسول يُوحَنَّا اللَّاهُوتيّ
