إيقونة عذراء الآلام



مقدّمة:

العلاقة التي تجمع الرّبّ يسوع المسيح بوالدة الإله علاقة خلاصيّة بامتياز.
تظهر هذه العلاقة بدايةً في لحظة البشارة عندما تجسّد الرّبّ في أحشائها، لتمرّ في كلّ المراحل التي عاشها يسوع، وما زالت مستمرّة إلى آبد الآبدين.
عرفت والدة الإله الألم مع مولودها الإلهيّ كما عرفت الفرح والمجد، ولا فصل بين الألم والفرح والمجد. فمسيرة الربّ يسوع مليئة بهذه العناصر الثلاثة من لحظةِ ولادته.cross

من هنا قال سمعان الشيخ لوالدة الإله:

"هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَة" (لوقا٣٤:٢-٣٥). والسيف هو طبعًا الصلب وكلّ ما دار حوله.
 
تدعى هذه الإيقونة "عذراء الآلام"، وهي تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلاديّ. طولها ٧٩،٥ سم، وعرضها ٥١ سم وسماكتها ٦ سم، وهي توافق نموذجًا من الإيقونات البيزنطيّة معروف في القسطنطينيّة وانتشر في سائر البلاد الأرثوذكسيّة (أوروبا وقبرص واليونان وجبل آثوس) حيث العذراء والمسيح يتأمّلان رموز الآلام التي يحملها ملاكان وقد يختلف لقب العذراء: Αμολυντος (النقيّة) أو الشفيعة المرهوبة وهنا ἡ Παμμακάριστος الكليّة الطوبى[1].
 
الألوان النباتيّة فيها ممزوجة بصفار البيض وتُعرف هذه الطريقة بال Détrempe Tempera)) التي انتشرت بعد القرن السابع – الثامن ميلاديّ تقريبًا، وحلّت مكان استعمال الشمع العسليّ مع الألوان Encaustique.
 
هذا النموذج قريب من شكل "العذراء الهادية" Hodegetria حيث نشاهد عادةً العذراء مريم تحمل الرّبّ يسوع المسيح على ذراعها، وتشير إليه باليد الأخرى لكونه المخلّص.
 
أمّا هنا، فنشاهد والدة الإله تمسك يدَي الرّبّ. قد يظنّ بعضهم أنّها تشدّده ولكن في الحقيقة هو الذي يُشدّدها ويقول لها: "لا تضطربي يا أمّي عندما تشاهديني على الصليب. صحيح أنّني سأموت في الجسد بطبيعتي البشريّة، ولكنّي سأقوم من بين الأموات لأنّي إلهٌ أيضًا".

فرغم هذا التدبير الخلاصيّ، تبقى مشاهدتها لابنها يسوع مُعلّقًا على الصليب ومَطعونًا سيفًا يجوز في قلبها (لوقا ٣٥:٢).
 
 
الربّ يسوع المسيح:
 
نرى الربّ يسوع المسيح في هذه الإيقونة يلتفت إلى يساره ناظرًا إلى الأعلى. أراد كاتب الإيقونة بذلك أن يجعله ينظر إلى رئيسَي الملائكة ميخائيل وجبرائيل في أعلى الإيقونة، وهما يحملان أدوات الصلب. الملاك عن يمين والدة الإله هو ميخائيل، (ومعنى اسمه "مَن مثل الله").
 
ميخائيل يحمل الرمح الذي طُعن فيه الربّ على الصليب (يوحنا ٣٤:١٩)، والقصبة التي وضع عليها الجنود الرومانيّون اسفنجةً من الخلّ وقدّموها ليسوع عندما قال أنا عطشان: "وكان إناء موضوعًا مملوءًا خلًّا، فملأوا اسفنجة من الخل، ووضعوها على زوفى وقدّموها إلى فمه" (يوحنا ٢٩:١٩).
 
الملاك الآخر هو جبرائيل. هو يحمل الصليب الذي صُلب عليه الرّبّ. اسم جبرائيل يعني "جبروت الله".
 
 
الحذاء المخلوع:
 
الحذاء المخلوع في قدم الرّبّ والذي يكاد أن يقع، له عدّة تفسيرات تطوّرت عند مُفسرّي الإيقونات:
 
١- يشير إلى تعريته عند الصلب، عندما خلعوا عنه ثيابه.
 
٢- هو يذهب طوعًا إلى الموت فيخلع كلّ شيء عنه ويعلو الصليب ليموت، ويقوم ويقيمنا معه خالعين الإنسان العتيق لنلبس الإنسان الجديد.
 
٣- يذكر سفر تثنية الاشتراع في الإصحاح ٢٥ أنّه إذا تُوفيّ رجلٌ وليس له أولاد تتزوّج زوجته شقيقه، والابن الأوّل يُنسب إلى الزوج كي يستمر نسله، ولا يُمحى اسمه من بيت إسرائيل. هذا لأنّ اليهود كانوا ينتظرون مجيء المسيح المُنتظر ويحسبون انقطاع نسل أحدهم بسبب الوفاة أو العقر لعنة من الله.
 
أمّا في حال رفض شقيق الزوج الميّت أن يقترن من زوجة شقيقه، كانت الزوجة الأرملة تخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه أمام شيوخ مدينته ويُدعى "مخلوع النعل". وعادة اقتران الأرملة من شقيق زوجها المتوفّى قديمة جدًا ومذكورة في سفر التكوين (٨:٣٨).
 
الربّ يسوع المسيح أبطل هذه العادات وألغى هذه المفاهيم الدنيويّة لأنّه "هو" المسيح الحقيقي المنتظر.
فعوض أن يبقوا ينتظرونه عليهم أن يتبعوه، من هنا قال لليهود: "متى رفعتم ابن الانسان، فحينئذ تفهمون أنّي أنا هو" (يوحنا ٣٨:٨).
 
كذلك أصبحت أسماؤنا بالربّ يسوع مكتوبة في سفر الحياة في أورشليم السماويّة.
 
 
والدة الإله:
 
والدة الإله تنظر إلينا وتقول: "مهما قال لكم فافعلوه" (يوحنا ٥:٢). صحيح أنّها قالت هذه الآية في عرس قانا الجليل، إلّا أنّ عرس كلّ مؤمن مسيحي هو قيامته مع سيّده من بين الأموات ليشرب النبيذ الجيّد في عرس الحمل الآبديّ. "طوبى للمَدعُوّينَ إلى وَليمَةِ عُرسِ الخروف" (رؤ٩:١٩).
 
 
الثياب في الأيقونة:
 
الثياب في الأيقونة داكنة. العذراء تتلّحف بالمجد الإلهيّ المُشار إليه باللون الخمريّ، وعلى ساعدها الأيمن خيط من ذهب. "منسوجة بذهب ملابسها" (مزمور ١٣:٤٥).
 
 
النجمات الثلاث على والدة الإله: 

نشاهد في أيقونات والدة الإله نجمات ثلاث، واحدة على رأسها وواحدة على الكتف الأيمن وواحدة على الكتف الأيسر. هذه النجمات تشير إلى أن والدة الإله هي بتول قبل ولادتها للربّ يسوع المسيح وأثناء الولادة وبعدها.
 
 
الكتابة الموجودة على الأيقونة:

هي باللغة اليونانيّة.
 
- MP ΘV:  هذه الأحرف تلخّص كلمتَي ΜΗΤΗΡ ΘΕΟΥMitir Theou)) وتعني والدة الإله.
- IC XC:   تلخّص "ΙΗϹΟΥϹ ΧΡΙϹΤΟϹ" وتعني يسوع المسيح.
- ἡ Παμμακάριστος الكليّة الطوبى.
 
من المعتاد أن يُكتَب في هذا المكان اللقب الخاصّ بالإيقونة الذي يعطيها هويّتها.
 
التسمية ἡ Παμμακάριστος الكلّيّة الطوبى قد تُشير إلى أن الإيقونة هي من الدير الكبير في القسطنطينيّة الذي يحمل هذا الاسم، والذي أصبح كنيسة بطريركيّة بين عامي ١٤٥٥م و١٥٨٧م، وفي عام ١٥٩١م تحوّلت الكنيسة إلى جامع في اسطنبول تحت اسم Fethiye Camii جامع الفتح. وحاليًّا هي مُتحف وتمّ تجديدها في العام ١٩٤٩م مِن قبل جمعيّة في الولايات المتحدة تُعنى بالشؤون الروميّة.
 
- النص جنب المسيح يقول[2]: إنّ الذي مِن قبل قال للعذراء الطاهرة افرحي يُظهر الآن أدوات الآلام. والمسيح إذ يرتدي جسدًا مائتًا، يرتعد من مصير الموت لمشاهدته إيّاها.
 
وعبارة "يرتدي جسدًا مائتًا" تشير إلى طبيعة المسيح البشريّة الكاملة.
 
 
- الكتابة في أسفل الإيقونة:

أدعية خادمي عبدَي الله الراهبَين يواكيم و ثيوذولس.
كاتبا الإيقونة هما كرواتيّيان من تيار رهباني يتبع تقليد ثيوفان الكريتيّ.
 
 
[1] المرجع
 
 
 
[2] «Ο το χαίρε πριν τη πανάγνω μηνύσας,τα σύμβολα νυν του Πάθους προδεικνύει, Χριστός δε θνητήν σάρκα ενδεδυμένος πότμον δεδοικώς, δειλιά τούτο βλέπων». δηλαδή: Ο Γαβριήλ, που κατά τον Ευαγγελισμό είπε το Χαίρε στην Πάναγνη Θεοτόκο, τώρα δείχνει τα σύμβολα του Πάθους.
 
Ο Χριστός, που ως άνθρωπος φοράει θνητή σάρκα, δειλιάζει βλέποντας τα σύμβολα αυτά του Πάθους, επειδή φοβάται το σταυρικό του θάνατο.