الغِنى الحقيقي:



الغِنى الحقيقي:

وأقولُ لكم أيضًا: "إنَّ مرورَ جملٍ من ثُقبِ إبرةٍ أيسرُ من أن يدخلَ غنيٌّ إلى ملكوتِ الله" (متى ٢٤:١٩).

قد يبدو للوهلة الأولى أن الغِنى مرفوض إطلاقاً، لكن المقصود حقيقةً مختلفٌ تماماً.

ليس الله ضِدَّ الوَفرة عند الناس على الإطلاق.100  

كان إبراهيم رجلًا غنيًّا، وكذلك إسحق ويعقوب وسليمان وأيوب وغيرهم.

المشكلة ليست بوجود المال والممتلكات، بل بعبادتها وتأليهها والاستغناء بها عن الله.

بالمقابل ليس الفقير عابداً لله حُكْماً، ولا يدخل الملكوت فقط لأنه فقير أو مُعدَم، وكم من غنيّ وفقير يتسلّط عليهم الطمع والحسد والطرق الملتوية، والله غير موجود في حياتهم.

ما دوّنه الإنجيليّ يوحنا في سفر الرؤيا يوضّح مقصد الله بدقّة تامة إذ يقول الرّبّ له:

"اكتب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين: لأنك تقول: إنّي أنا غنيّ وقد استغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء، ولستَ تَعْلَمُ أنّك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان. أُشيرُ عليك أن تشتري منّي ذهبًا مصفّى بالنار لكي تستغني" (رؤيا ١٧:٣-١٨).

لا يمكن لأيّة مادة فانية أن تجعلنا نستغني عن الله، ولا يمكن لأحدٍ أن يُلبِسَنا المجدَ ويعطيَنا الغِنى الحقيقيّ إلّا الذي خلقنا وتجسّد وصُلِب من أجلنا وأقامنا معه من بين الأموات.

يريدنا الرّبّ أن نكون أغنياء به إذ خلقنا لحياة أبديّة، وهذا ما ترتّله الكنيسة عند فِراقِنا هذا العالم:

"إذا ربحنا العالم -دون السماوات- فحينئذٍ نسكن القبر حيث الملوك والفقراء معًا".

بالحقيقة باطل هو كلّ ما في العالم الترابي، وفانٍ كلّ ما هو ترابي، ولا إله نستغني به، هنا وفي الملكوت، إلّا الرّبّ يسوع المسيح له المجد.

 

الجمل وثقب الإبرة:

خلفيات الأمثال التي استعملها الرب يسوع المسيح كانت من البيئة التي بشّر بها، وكان يهدف من ذلك لأن يعرف الشعب اليهودي وكلّ من يسمعه أن المسيح أتى والخلاص مفتوح لكل المسكونة وليس لشعب دون آخر.

هناك مثل شعبي عند اليهود يقول:dregatorul-bogat_w1000_h750_q100

"الإنسان حتى في أحلامه لا يرى جملاً يمر في ثقب إبرة".

كما هناك مقولة تُنسب إلى التلمود وتقول:

"ثقب الإبرة ليس شديد الضيق بالنسبة لصديقين، بينما العالم كله لا يتّسع كفاية لعدوين”.

وكان يوجدُ ضِمنَ أحدِ أبوابِ أورشليم بابٌ صغير يُدعى ثقب الإبرة، وكان الحرّاس يغلقون أبواب أورشليم قبل الغروب، ولا يفتحون الباب الرئيسي لأية قافلة تأتي بعد هذا الوقت، بل يفتحون الباب الصغير. ولم يكن ممكناً للجمل -لضخامة حجمه- أن يدخل من هذا الباب الصغير (ثقب الإبرة) إلاّ بعد أن يلزمه الجمّال أن يركع على ركبتيه، ويقوم بإنزال حمولته لكي يستطيع العبور عريانًا من كلّ ما كان يحمله.

هذا المشهد صورة لشيء أبعد بكثير، إذ علينا أن نخلع ما نحن متمسكون به لكي نتستطيع العبور، والله يعطينا أضعاف حمولتنا من نعمه غير المحدودة والمنبثقة من محبّته اللامتناهية.

من هنا المثل الذي استعمله الرّبّ يسوع المسيح يجمع أمرين:

- الأمر الأوّل:

الذي يعتبر نفسه غنيًّا بممتلكاته الفانية وليس بالرّبّ، خلاصه لهو أكثر من مستحيل ولا حتى في الأحلام، وطريقه مغلق.

- الأمر الثاني: 

لا يقف أي عائق أمام الغني بالرّبّ ودربه دائمًا مفتوح، ويجتاز كلّ الصعوبات مهما ضاقت في وجهه.

خلاصة:

من كان غنيًّا بالرّبّ يسوع المسيح هو صديق الرّبّ ويتخطى المستحيلات وأمامه رحاب السماوات.

ملاحظة:

كان الرّبّ يسوع المسيح يستعمل الكثير من الأقاويل والعبارات ويمسحنها، ويتكلّم بلغة يفهمها الناس تجمع بين البساطة الشعبيّة والعمق اللاهوتي، وذلك من أجل تحقيق الخلاص لأنّه أتى من السماوات وتجسّد وتنازل لخلاص جميع البشر لنقتبل الإلهيات ويرفعنا إليه.

تفسير لغوي:

الكلمة في النص الأصلي اليوناني هي κάμηλον من κάμηλος ويمكن أن تكون مذكّر حيوان الجمل O κάμηλος أو الأنثى H κάμηλος، أمّا الحبل في اللغة اليونانيّة التي كُتبت فيها الأناجيل هو κάμιλος ولا يكون إلّا مذكّر فقط.

اللفظ مشابه إنّما الفرق في حرفي η للجمل و ι للحبل.

في اللغة العربيّة هناك فرق بالتحريك لكلمة جمل.

إذ كلمة ”جُمَّل“ بضم الجيم تعني حبل السفينة والحبل الغليظ من القنب، ويقال له القلس.

ويختلف المفسّرون بين ضم الجيم وتشديد الميم ووضع فتحة عليها ومنهم من يسكّنها لتخفيفها، ومنهم من فتح حرف الجيم.

أمّا كلمة ”الجَمَلُ“ هي اسم الكبير من الإِبل من الفصيلة الإِبليّة، وبقي تحريك الكلمة في هذا المعنى ثابت.

الجدير بالملاحظة أن في الأشوريّة والأرامية والسريانية كلمة ”جملو“ تعني حيوان الجمل كما تعني حبل السفينة.

في هذا المثل الجمل كحيوان هو المقصود، أوّلًا لأنّه كان يُضرب به المثل لكبر حجمه، ثانيًّا لوجود هذا المثل شعبيًّا وكانوا يقصدون به حيوان الجمل وليس الحبل، وثالثًا هكذا أتت الكلمة في النص اليوناني الأصلي.